April 19, 2024

الصورة: العنف القائم على النوع الاجتماعي. المصدر: https://egypt.unfpa.org/ar/topics

(ضمن إطار عمل حملة خط أحمر الخاصة بالمركز الآوروبي الشمال أفريقي للأبحاث)

 

كتب .. عاصم نعمة

فى الأخبار:

رصد التقرير الذي أصدرته وحدة الدراسات والبحوث بملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان، أن واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض للعنف الجنسي أو الجسدي في حياتها، كما أثناء النزوح وأوقات الأزمات يزداد خطر العنف على أساس الجنس بشكل كبير بالنسبة للنساء والفتيات.

 

فك التفاصيل:

تتعدد حالات العنف الأسري في مصر وتتعدد أشكالها ومناسباتها وسياقاتها، فهناك العنف الجسدي والعنف اللفظي والعنف المعنوي، والعنف الجسدي كالضرب سواءا أحدث جروحا أو آثارا مستديمة او لفترة معينة أو لم يحدث، والعنف اللفظي كالإهانة بالسب والشتائم، والعنف المعنوي كمنع البنات من التعليم أو تمييز المعاملة بينها وبين أقرانها من الذكور، وتنقسم حالات العنف الأسري بحسب الشخص الذي يمارس العنف “المعنف” إلى قسمين، فهناك العنف الأسري الذي يقع من الزوج، والعنف الأسري الذي يقع من قبل ولي الأمر قبل الزواج أو بعد انتهاءه.

 

انتشرت حالات العنف الأسري بحسب تقرير الأمم المتحدة للمرأة الذي أجرته منظمات المجتمع المدني في الوطن العربي خلال فترة العزل المنزلي خصوصا مع بداية انتشار وباء COVID-19 وتزايدت الحالات بشكل كبير، بسبب تواجد الأسر مع بعضها لفترات طويلة داخل المنزل، حيث أظهر 55% من المنظمات المشاركة بالدراسة أن العنف المنزلي ضد النساء والفتيات قد ازداد أثناء جائحة كورونا ازديادا ملحوظا.

 

تبريرات عرفية:

نجد أن من أسباب انتشاء العنف الأسري داخل المنازل المصرية هي الثقافة الموجودة في بعض الأماكن الريفية وفي جنوب أو صعيد مصر وفي الأحياء الشعبية في المدن بأن الزوج له على زوجته سلطة مطلقة ولا يحق لأحد أن يتدخل لفض صراع يضرب فيه الزوج زوجته. ويظهر ذلك جليا في حالة “عروس الإسماعيلية” التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل الإجتماعي ولاقت استهجانا كبيرا من المتابعين، عندما تم نشر مقطع فيديو يظهر به رجل بملابس الزفاف يضرب عروسه التي ترتدي ملابس العرس أيضا بشكل مبرح ليس فيه رحمة وتساعده في ذلك قريبته، وعندما عقدت وسائل الإعلام المقابلات معه وسمع منهم استهجان الناس حاول إنكار الواقعة تماما ونفى أنه كان يضربها وادعى أنه كان يساعدها على القيام رغم وضوح العكس في مقطع الفيديو، ومع رد الفعل القوي من الجمهور وما وصفوه ب “كذب” المعنف ذلك، رضخ الرجل للضغوطات واعترف بفعلته ولكن مع عدم اعترافه بالخطأ، وقال بأن هذا الأمر هو أمر عادي مسموح به في ثقافته وثقافة أهله ومجتمعه وعرفهم وليس مستهجنا في الوسط الذي يعيشون فيه، وأنه من سلطة الزوج تأديب زوجته بالضرب ان استدعى الأمر، وقال بأنه نشأ ووجد أباه يضرب أمه وعمه يضرب زوجته دون إنكار من أحد عليهم.

 

 

الصورة: خلود نجحت في الحصول على حكم قضائي بالطلاق، وقضت المحكمة بحبس زوجها لمدة أسبوع بسبب واقعة ضربه لها. المصدر: https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-59837607

حق العنف :

تقول خلود:” خلع زوجي الشبشب، وأمسك بالحزام، وانهال علي ضربا بهما. وعندما تدخل أبي للدفاع عني، دفعه زوجي بشدة حتى سقط على ظهره”، هكذا تحدثت خلود لبي بي سي، وقد انتهى زواجها بعد هذه الواقعة.”

 

تحكي خلود ل BBC أن زواجها استمر لمدة عام واحد ولكنه كان عاما مليئا بالعنف ضدها بدأ باكرا في شهر العسل حيث صفعها زوجها على وجهها بعد أيام قليلة من الزفاف.

 

تقول خلود أنها كانت تخاف من فعل أي شيء أو القيام بأي تصرف بسبب الخوف من رد فعل زوجها الذي عادة يكون بالضرب أو بأشكال العنف الجسدي المختلفة مع اقترانه بالطبع مع العنف النفسي.

 

وتضيف خلود أنه مع تكرار حالات العنف ضدها بأشكال مختلفة ولأسباب متعددة فلم تقرر قطع العلاقة وإبلاغ السلطات عنه إلا بعد عام من الزواج.

 

اللحظة الحاسمة:

خرجت خلود بملابس المنزل إلى قسم الشرطة مهرولة للإبلاغ عن زوجها ورفع دعوى طلاق منه والمطالبة بمعاقبته بعد صبرها على العنف لعام كامل، ولكن كانت هذه المرة هي القشة التي قصمت ظهر البعير، فوالدا خلود كانا في بيتها تلك المرة وشاهدا ضرب زوجها لها “بالشبشب” وسرعان ما تدخل والدها للدفاع عنها فدفعه زوجها ليسقط على الأرض، فعندها قررت خلود انتهاء تلك العلاقة تماما.

 

الوصم الإجتماعي:

تصرح وكالة BBC بأنها استقطبت عددا من اللائي وقع عليهن العنف المنزلي فلم تستجب إلا نسبة ضئيلة منهن، وأرجعن أسباب التراجع عن رواية قصتهن إلى الخوف من الوصم الإجتماعي كونهن معنفات من قبل الشريك أو ولي الأمر.

 

السياق القانوني:

تتعدد عقوبات وحالات الضرب في القانون المصري، فتبدأ بعدم المعاقبة عليه وتنتهي بالسجن من 3 إلى 10 سنوات، فالضرب الذي لم يترك أثرا أو جرحا ليست له عقوبة في القانون المصري، والضرب الذي يترك أثرا أو جرحا يستوجب العلاج لمدة أقل من 20 يوما يعاقب عليه بالحبس “عدة أشهر أو سنة”، وإذا ترك الضرب أثرا يستوجب العلاج لمدة أكثر من 20 يوما فهو جنحة مشددة يعاقب القانون عليها بالحبس من عام إلى عامين أو بالغرامة أو كلتاهما معا، وإذا أحدث الضرب عاهة مستديمة وكان مع سبق الإصرار والترصد فهو جناية يعاقب عليها القانون بالسجن من 3 إلى 10 سنوات.

 

والضرب من الجرائم التي تستلزم شكوى من المجني عليه ولا يمكن للنيابة العامة أن تحرك الدعوى الجنائية لجريمة الضرب من تلقاء نفسها لأنها جريمة ضد شخص معين وليست ضد المجتمع كما هو الحال في القتل والإرهاب والبلطجة.

 

وقد ثار خلاف في القضاء والفقه القانونيين المصريين حول سلطة التأديب للزوج على زوجته، حيث ينص قانون العقوبات المصري في المادة السابعة منه على عدم إخلال مواد القانون بالأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، فلو كان للزوج سلطة تأديبية بالضرب كما هي بعض الآراء الفقهية في الإسلام، فالقضاء حينها سيحكم بالبراءة في جنح ضرب الزوج لزوجته، ولكن في حكم يمثل تطورا لافتا، قضت محكمة جنح الدقي مؤخراً بحبس الفنان (أ.ع.م) ثلاثة أشهر، وكفالة 200 جنيه لإيقاف التنفيذ، في اتهامه بضرب زوجته الفنانة (س.ن). كانت الزوجة قد تقدمت ببلاغ، اتهمت فيه زوجها بالتعدي عليها بالضرب في 26-10-2018، وأحالت النيابة العامة الواقعة إلى محكمة الجنح، التي نظرت في بلاغ الزوجة، وأصدرت حكمها بإدانة الزوج.

 

فذلك الحكم قد حسم الخلاف القائم ولم يعترف بسلطة تأديب الزوج لزوجته وأوقع عليه عقوبة على الضرب.

 

وعلى كل حال فإن الدستور المصري قد أقر مبدأ قضائية العقوبة فلا أحد له سلطة العقاب إلا القضاء، والمعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي وقعت عليها مصر وأصبحت بقوة القانون تجرم العنف الأسري بكل أشكاله وتلغي سلطة التأديب للزوج على زوجته أو لأي إنسان على آخر مطلقا.

 

وجهة نظر:

 

إذا ما نظرنا في الحالتين التي تحدثنا عنهما، نجد بأن الحالة الأولى وهي “عروس الإسماعيلية” برغم أن الضرب قد تم أمام جمهور كبير من الناس فلم يتم تحريك دعوى قضائية لأن صاحبة الشأن “المجني عليها” وهي العروس لم تطلب ذلك، فأنا أنصح المشرع والقضاء المصري بمعاملة حوادث الضرب في الشارع للزوجة أو غيرها معاملة البلطجة وترويع الآمنين واعتبارها جريمة ضد المجتمع تحرك ضدها النيابة العامة الدعوى الجنائية مباشرة دون اشتراط شكوى من المجني عليه.

 

وفي الحالة الثانية تروي الشاكية “خلود” أن إجراءات المحاكمة قد أخذت عاما كاملا لكي تصل لحكم قضائي، وقبله كانت قد مكثت عاما كاملا أيضا في ظل استمرار العنف بأشكاله المختلفة من قبل زوجها، فيجب أن تفتح السلطات القضائية ممثلة في وزارة العدل قنوات تسهل الوصول إليها من قبل المعنفين في المنازل تكون أسهل في الإجراءات من المحاكمات العادية وأسرع، وبشكل سري أيضا حتى لا تتعرض الشاكية لأي تهديد.

 

وأيضا نحن نطالب الدولة المصرية ومجلس الوزراء بمحاربة الوصم الإجتماعي المقترن بالمعنفات ومحاربة العنف الأسري من الأساس وتيسير الإبلاغ عنه والتعامل معه بطرق جديدة لا تضر أي طرف من الأطراف.

 

المراجع:

سالي نبيل، 31 ديسمبر/ كانون الأول 2021 : العنف الأسري: شكاوى من نساء في مصر ومطالب بتشريعات رادعة. المصدر: https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-59837607

 

هيئة الأمم المتحدة للمرأة، 2020، تأثيرات جائحة كوفيد-19 على العنف ضد النساء والفتيات في الدول العربية من خلال عدسة منظمات المجتمع المدني النسائية. المصدر: https://arabstates.unwomen.org/sites/default/files/Field%20Office%20Arab%20States/Attachments/Publications/2020/08/Evaw%20Briefs/CSO%20assessment%20brief_Ar.pdf