قراءة قانونية–سياسية في السلوك الأمريكي من منظور القانون الدولي
بقلم: سارة كيرة

لا تُقاس سياسات الدول بتصريحاتها، بل بأنماط سلوكها القابلة للإثبات. وفي حالة حرب غزة، يكشف السلوك الأمريكي—لا الخطاب—عن حقيقة قانونية وسياسية واحدة: الولايات المتحدة لا تعمل على وقف الحرب، بل على إدارتها بما يخدم توازنات استراتيجية محددة، ولو على حساب المدنيين والقانون الدولي.
أولًا: التمويل العسكري بوصفه قرينة قانونية
إقرار الكونغرس الأمريكي تمويلًا أمنيًا لإسرائيل بقيمة 3.3 مليار دولار ضمن قانون اعتمادات السنة المالية 2026، في ظل نزاع مسلح نشط، يُعد قرينة سلوكية على القبول باستمرار العمليات العسكرية.
في الفقه الدولي، استمرار الدعم العسكري أثناء نزاع تتوافر فيه مؤشرات انتهاكات جسيمة يُضعف ادعاء الحياد، ويُدخل الدولة الداعمة في نطاق المسؤولية غير المباشرة إذا اقترن الدعم بالعلم بالمخاطر المحتملة.
لا يوجد في القانون الدولي ما يُلزم دولة بتمويل حليفها عسكريًا أثناء حرب قائمة—لكن يوجد ما يُحمّلها تبعات هذا الاختيار.
ثانيًا: الفيتو كتعطيل منهجي للإلزام الدولي
استخدام الولايات المتحدة لحق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار لا يُقرأ كخلاف إجرائي، بل كـتعطيل ممنهج لأداة الإلزام الوحيدة القادرة على فرض وقف القتال.
الفيتو هنا لا يحمي إسرائيل سياسيًا فحسب، بل يعطّل إنتاج التزام قانوني دولي، وهو ما يُبقي الحرب خارج نطاق الإنهاء القسري.
ثالثًا: الفصل المتعمَّد بين الدعم والمساءلة
تُبدي واشنطن معارضة واضحة للمسارات القضائية الدولية المتعلقة بغزة، بما فيها الإجراءات المنظورة أمام محكمة العدل الدولية، في الوقت الذي تواصل فيه الدعم العسكري دون اشتراطات امتثال فعّالة للقانون الدولي الإنساني.
هذا الفصل ليس صدفة؛ بل تصميم سياسي يمنع خلق سوابق مساءلة، ويُبقي الدعم خارج دائرة المشروطية القانونية.
رابعًا: المساعدات الإنسانية كبديل زائف
لا تُنكر مساهمة الولايات المتحدة في إدخال مساعدات إنسانية إلى غزة، غير أن القانون الدولي لا يعترف بالمقايضة بين الإغاثة واستمرار القصف.
وفق اتفاقيات جنيف، الواجب الأول هو حماية المدنيين ووقف الأعمال القتالية غير المشروعة، لا الاكتفاء بتخفيف آثارها.
تحويل المساعدات إلى واجهة سياسية، مع استمرار العمليات، يُفرغ الالتزام الإنساني من مضمونه القانوني.
خامسًا: المسؤولية غير المباشرة في القانون الدولي المقارن
بحسب مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا الصادر عن لجنة القانون الدولي، تقوم مسؤولية الدولة إذا:
1. قدّمت مساعدة أو دعمًا ماديًا،
2. مع العلم بظروف الفعل غير المشروع،
3. وكان الدعم ذو صلة جوهرية بالفعل.
في حالة غزة، تتوافر العناصر الثلاثة على مستوى الطرح القانوني، ما يضع الولايات المتحدة في منطقة مساءلة قانونية رمادية، حتى إن لم تبلغ حد المسؤولية الجنائية المباشرة.
سادسًا: المقارنة بسوابق أمريكية
تاريخيًا، لم تتردد الولايات المتحدة في:
• تعليق المساعدات،
• فرض شروط استخدام السلاح،
• ربط الدعم بالامتثال للقانون الدولي،
في نزاعات أخرى. غياب هذه الأدوات في حالة غزة لا يُفسَّر بالعجز، بل بـالاختيار السياسي.
الخلاصة
في ميزان القانون الدولي، الخطاب لا يُبرّئ، والتمويل لا يُحيَّد، والفيتو ليس إجراءً محايدًا.
ما تمارسه الولايات المتحدة في غزة هو إدارة مُقنّنة للصراع، لا سعيًا حقيقيًا لإنهائه.
وبهذا السلوك، لا تكتفي واشنطن بمنع وقف الحرب، بل تُعيد تعريف حدود المسؤولية الدولية على نحو يُفرغ القانون من وظيفته الحمائية تجاه الشعب الفلسطيني.المراجع والهوامش القانونية
1. اتفاقيات جنيف الأربع، 1949، والبروتوكولان الإضافيان 1977.
2. International Law Commission, Articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, 2001.
3. International Court of Justice, Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide (Provisional Measures), 2024.
4. UN Security Council voting records on Gaza ceasefire resolutions (2023–2025).
5. UN Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Gaza Situation Reports.
6. U.S. Congressional Appropriations Acts, FY2026 – National Security & State Department Programs.