تحولات عقائد النفوذ في النظام الدولي المعاصر
من مبدأ مونرو إلى المجال القريب الروسي… ثم الصين بلا عقيدة مُعلنة
بقلم: سارة كيرة
باحثة في الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية
الملخص (Abstract)
يتناول هذا المقال تحليلاً مقارنًا لثلاث مقاربات رئيسية لإدارة النفوذ في النظام الدولي: مبدأ مونرو الأمريكي، عقيدة “المجال القريب” الروسية، والسياسة الصينية غير المعلنة في مناطق النفوذ، مع التركيز على أدوات القوة والخطاب والشرعية الدولية. يجادل المقال بأن هذه النماذج، رغم اختلافها، تشترك في منطق بنيوي واحد هو إدارة القرب الجغرافي بوصفه مسألة أمن قومي. ويخلص إلى أن التحول الأهم في العلاقات الدولية لا يتمثل في تراجع منطق مناطق النفوذ، بل في انتقاله من القوة الصلبة إلى النفوذ البنيوي، مع انعكاسات مباشرة على مناطق حساسة مثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وعلى الأمن القومي المصري.

مقدمة
لم يعد الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين يُختزل في سباقات التسلح أو توازنات الردع النووي، بل أصبح صراعًا على تعريف المجال الجغرافي وحدود النفوذ داخله.
فالدول الكبرى لا تتنافس فقط على القوة، بل على الحق في الاقتراب: من يقترب من أي منطقة، وبأي أدوات، وتحت أي شرعية؟
ضمن هذا السياق، تبرز ثلاث مقاربات كبرى لإدارة النفوذ:
المقاربة الأمريكية التي أسست لمبدأ الإقصاء الجغرافي.
المقاربة الروسية التي تربط القرب الجغرافي بالأمن الوجودي.
المقاربة الصينية التي تمارس النفوذ دون إعلان عقائدي أو عسكري مباشر.
أولًا: مبدأ مونرو – الإقصاء بوصفه سياسة نفوذ
أُعلن مبدأ مونرو عام 1823 في سياق صعود الولايات المتحدة وتراجع الإمبراطوريات الأوروبية في نصف الكرة الغربي. وقد صيغ الخطاب رسميًا لحماية استقلال دول أمريكا اللاتينية، لكنه في جوهره أسس لمنطق احتكار المجال الجغرافي.
مع مطلع القرن العشرين، وخاصة بعد “إضافة روزفلت” (Roosevelt Corollary)، تحوّل المبدأ إلى أداة تُشرعن:
التدخل العسكري
فرض الوصاية السياسية
إعادة تشكيل الأنظمة باسم الاستقرار
وبذلك، انتقل مبدأ مونرو من سياسة ردع خارجي إلى إطار مؤسسي للهيمنة الإقليمية، حيث أصبحت السيادة مبدأً مرنًا يخضع لمصالح القوة المهيمنة.
ثانيًا: العقيدة الروسية – المجال القريب كعمق أمني
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واجهت روسيا فراغًا استراتيجيًا واسعًا. ولمواجهة هذا الواقع، تطورت عقيدة “المجال القريب” التي تنظر إلى دول الفضاء السوفيتي السابق بوصفها:
خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الروسي
عمقًا جيوسياسيًا لا يمكن التفريط فيه
امتدادًا تاريخيًا لمكانة روسيا الدولية
المنطق الروسي لا يقوم على الادعاء القانوني بالسيادة، بل على فكرة أن تحول هذه الدول إلى معسكر منافس يمثل تهديدًا وجوديًا.
غير أن الإشكالية البنيوية في هذا النموذج تكمن في تطبيق منطق مناطق النفوذ في ظل نظام دولي يقوم – نظريًا – على احترام السيادة ووحدة الأراضي، ما يجعل الصدام مع الغرب والمؤسسات الدولية أمرًا شبه حتمي.
ثالثًا: الصين – النفوذ البنيوي بلا إعلان
تقدم الصين نموذجًا مختلفًا جذريًا. فهي لا تعلن مبدأً مشابهًا لمونرو، ولا تتحدث عن مجال حيوي، ولا تستخدم خطابًا أمنيًا مباشرًا.
بدلًا من ذلك، تعتمد على أدوات النفوذ البنيوي، مثل:
الاستثمار طويل الأمد
تمويل البنية التحتية
ربط الأسواق بسلاسل التوريد الصينية
الشراكات الاقتصادية غير المشروطة سياسيًا
في أمريكا اللاتينية، لا تواجه الصين مبدأ مونرو عسكريًا أو سياسيًا، لكنها تفرغه من محتواه عمليًا عبر خلق اعتماد اقتصادي يجعل من الإقصاء الجغرافي مفهومًا غير قابل للتطبيق.
تحليل مقارن للنماذج الثلاثة
يمكن تلخيص الفروق الجوهرية كما يلي:
الولايات المتحدة:
نفوذ قائم على الإقصاء، والهيمنة المؤسسية، والتدخل الانتقائي باسم الاستقرار.
روسيا:
نفوذ قائم على الأمن القومي والردع واستخدام القوة الصلبة لحماية المجال القريب.
الصين:
نفوذ قائم على التشابك الاقتصادي، وإعادة تشكيل الخيارات دون فرض اصطفافات معلنة.
الولايات المتحدة تقول:
“هذا الإقليم لنا.”
روسيا تقول:
“خروج هذا الإقليم من نفوذنا تهديد وجودي.”
الصين تقول:
“هذا الإقليم لا يحتاج إلى اختيار.”
الخاتمة: من أمريكا اللاتينية إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر – الدرس المصري
إن التحول في طبيعة النفوذ الدولي لا يظل محصورًا في أمريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية، بل يمتد مباشرة إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهما من أكثر المناطق حساسية للأمن القومي المصري.
فالقرن الإفريقي لم يعد ساحة نفوذ واحدة، بل تقاطعًا بين:
منطق الإقصاء الغربي
منطق الأمن الروسي
ومنطق النفوذ الاقتصادي الصيني
وفي البحر الأحمر، تتجلى هذه التحولات بوضوح، حيث لم يعد التنافس عسكريًا فقط، بل مرتبطًا بالموانئ، وسلاسل الإمداد، والطاقة، وخطوط التجارة العالمية.
بالنسبة لمصر، لا يمكن التعامل مع هذه التحولات بعقلية رد الفعل، بل عبر:
فهم عميق لتغير أدوات النفوذ
رفض أي محاولات لتفكيك الدول أو شرعنة الكيانات الانفصالية
والانخراط النشط في صياغة ترتيبات أمنية إقليمية تحمي السيادة ووحدة الأراضي
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد القوى، بل في تحول مناطق النفوذ إلى أدوات لتفكيك الدول وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية.
وفي هذا السياق، تصبح مقاربة مصر القائمة على دعم الدولة الوطنية، ورفض فرض الأمر الواقع، ركيزة أساسية لاستقرار الإقليم بأسره.
المراجع والهوامش
Monroe, J. (1823). Seventh Annual Message to Congress. U.S. National Archives.
Roosevelt, T. (1904). Roosevelt Corollary to the Monroe Doctrine.
Mearsheimer, J. (2014). Why the Ukraine Crisis Is the West’s Fault. Foreign Affairs.
Trenin, D. (2011). Post-Imperium: A Eurasian Story. Carnegie Endowment.
Allison, G. (2017). Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap? Houghton Mifflin.
Kaplan, R. (2010). The Revenge of Geography. Random House.
Brautigam, D. (2020). The Dragon’s Gift: The Real Story of China in Africa. Oxford University Press.
Acharya, A. (2018). The End of American World Order. Polity Press.