April 19, 2024

دكتور ناصر مأمون

“10 أشهر حتى الآن مروا على إقليم تيجراي الإثيوبي، لا يوجد وصف لهم أفضل من أنهم تجسيد حقيقي  للمعاناة الآلم، فهذه الشهور الطويلة خلفت ورائها المئات من الضحايا ما بين قتيل وجريح، ووجد الرئيس الأمريكي جو بايدن أن المأساة لا تنتهي بل تزداد سوءا كل يوم أكثر من ذي قبل، فقرر أن يتدخل بطريقته مما فتح بابا من التساؤلات وعلامات الاستفهام”.

كتبت: عواطف الوصيف

 

بداية المأساة

قبل بحث مخططات الرئيس الأمريكي جو بايدن حيال الأوضاع في إقليم تيجراي، يستوجب أولا الكشف عن حقيقة ما يحدث داخل إثيوبيا ومعرفة كيف بدأت المأساة و إلام وصل بها الحد.

فقد بدأت الأزمة منذ 9 سبتمبر من العام الماضي، حينما قررت حكومة قليم تيجراي إجراء انتخابات مستقلة  مؤكدة أن الدستور يكفل لها هذا الحق، إلا أن  الخلاف بين آبى أحمد وجبهة تيجراي تطور بعد رفض الجبهة الانضمام إلى حزب الازدهار الذى شكله رئيس الوزراء الحالى مؤخرا، كائتلاف جديد بديلا للائتلاف السابق المسمى بـ”الجبهة الديمقراطية الثورية”.

اندلاع الحرب

بعد مرور شهرين فقط من قرار حكومة تيجراي لإجراء الانتخابات أندلعت الحرب، ليشتعل القتال في نوفمبر 2020 بين قوات من حكومة إقليم تيجراى وجيش إثيوبيا التابع لحكومة آبي أحمد، الذي أمر القوات بشن غارات ساعد قوات الدفاع الوطني الإثيوبي على الاستيلاء على العديد من المدن الرئيسية فى تيجراى، بما فى ذلك ميكيلى العاصمة.

وعقب ذلك أعلن رئيس الوزراء الإثيوبى انتهاء المرحلة الرئيسة من الصراع، لكن سرعان ما نجحت الجبهة فى دحر قوات الجيش الإثيوبى ودخول عاصمة الإقليم وخلصت أهاليها من جرائم الجيش الأثيوبى وعادت بنسبة 100% تحت سيطرتها، حيث شهدت انتهاكات بالغة بحق المدنيين على يد الجيش، وصفتها الأمم المتحدة بأنها ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما تسببت فى تردى الأوضاع الإنسانية والمعيشية بالإقليم، إلى حد وضع مئات الآلاف من سكانه على شفا مجاعة، وفق تقرير أممى.

هزيمة جيش إثيوبيا

استعرضت قوات إقليم تيجراي قوتها وكشفت عن الأسرى من الجيش الإثيوبي، لتؤكد قوتها، وكان هذا الاستعراض على نقالات، وتم قيادة مجموعة كبيرة من هؤلاء الجنود إلى السجن الكبير الذي يقع على الحافة الشمالية للمدينة، واعتبر رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد أن ذلك بمثابة إذلال لقوات بلاده، خاصة وأنه سار نحو 7 آلاف جندى إثيوبى أسير، لما يقارب 75 كيلومتراً جنوب العاصمة، لمدة 4 أيام.

عقوبات أمريكية

اشتدت حدة الصراع في إقليم تيجراي لتلف ورائها المئات من الضحايا، الذين يلقون حتفهم، علاوة على معاناة النساء والأطفال، فلم يجد الرئيس الأمريكي جو بايدن مفر من سرعة التدخل، فوقع أمرا تنفيذيا جديدا، يسمح بفرض عقوبات واسعة النطاق على المتورطين في ارتكاب الجرائم في الصراع الدائر في إثيوبيا مع استمرار ورود تقارير عن الفظائع من منطقة تيجراي.

وأكد بايدن أكثر من مرة في تصريحات رسمية أن الولايات المتحدة لن تتخلي عن خيار الحل السلمي لإنهاء الصراع المستمر في إقليم تيجراي، منوها أن الأوضاع الحالية في تيجراي سوف تؤدي إلى انقسام البلاد، مما استوجب سرعة التدخل وإجبار جميع الأطراف على التفاوض.

تشكل العقوبات التي قرر الرئيس الأمريكي جو بايدن فرضها علامات استفهام يستوجب إيجاد إجابات محددة لها، خاصة وأنها تفرض على إقليم داخل دولة تخطط حكومتها لبناء سد ربما سيشكل خطورة على حصة مصر ودول قارة إفريقيا من ماء نهر النيل.

حكومة آبي أحمد

أوضح الدكتور ناصر مأمون عيسى الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشأن الإفريقي، أن الرئيس الأمريكي حينما قرر توقيع عقوبات صارمة، كان يقصد حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، مشيرا إلى أن بايدن ليس من مصلحته الآن الإطاحة بالنظام الإثيوبي الحالي، فقرر أن تكون العقوبات شاملة وتضم إقليم تيجراي أيضا.

وأضاف عيسى في تصريحاته للمركز الأوروبي الشمال إفريقي للبحوث حيال قضية العقوبات الأمريكية ضد إقليم تيجراي، أن انهيار النظام الإثيوبي الآن سوف يؤثر على مصالح الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، لذلك قرر بايدن عمل ما يشبه المعادلة، هدد بفرض عقوبات ضد إقليم تيجراي، لإجبار جميع الأطراف للذهاب إلى طاولة المفاوضات وإيجاد حل لهذه القضية.

دكتور ناصر مأمون

 

 

 

 

 

التبعات وسد النهضة

وعند التطرق لقضية سد النهضة وم إذا هذه العقوبات الأمريكية سيكون لها أي تاثير على مخططات الحكومة الإثيوبية الحالية لبناءه أوضح دكتور ناصر أن النظام التيجراني هو أول من سعى لإتمام مشروع سد لنهضة، مما يؤكد أنه في حال انتصرت تيجراي على الحكومة الإثيوبية فلن تتخلى عن فكرة المشروع ولن يكون موقفها مختلف عن حكومة آبي أحمد.

وبحسب ناصر مأمون عيسى فإن الإختلاف الوحيد يكمن في أن حكومة تيجراي سوف تنظر لقضية سد النهضة بطريقة واقعية أكثر من حكومة آبي أحمد التي باتت تعي جيدا أن بات هناك جمود تفاوضي، وهو ما سيؤثر بالتدريج على الحكومة وقد يتسبب في الإطاحة بآبي أحمد نفسه، منوها أن رئيس وزراء إثيوبيا انتبه إلى شتعبيته قد تقلصت بشكل كبير، مما جعله يفكر في إتمام مشروع عظيم مثل سد النهضة، وبدأ يقدم وعود وتعهدات لكي يجمع الشارع الإثيوبي حوله، لكنه تجاوز في الوعود والأحلام مما جعل الشعب لا يثق في تعداته.

أزمة النظام الحالي

وأضاف عيسى أن نظام آبي أحمد بات في مأزق رهيب بسبب قضية سد النهضة، فهو يحاول التعدي على جميع المواثيق والأعراف الدولية، مشيرا إلى أن إثيوبيا الآن تعاني من عدم الاستقرار لدرجة جعلت رموز الحكومة عاجزين حتى عن إدخال الآسمنت اللازم لاستكمال بناء السد، كما أن الدول التي كانت تعمل على تمويل السد توقفت عن تقديم أي مساعدات مالية، لأنها شاهدة على الأزمة الإثيوبية، ومن الصعب أن تلق بأموالها لتمويل مشروع في بلاد يعاني من عدم الاستقرار بهذا الشكل.

الدبلوماسية المصرية

ويرى مأمون أن الدبلوماسية المصرية كشفت آبي أحمد أمام مختلف دول العالم، وأنه رجل لا يفعل شيء سوى تقديم وعود وتعهدات ويحاول أن يتظاهر بالقوة عن طريق اتباع سياسة وأساليب قد تؤدي لخلق نزاعات وصراعات لا يحمد عقباها.

ويتوقع دكتور ناصر أن العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس جو بايدن سوف تطيل من المدة التي المقرر أن يتم خلالها استكمال بناء سد النهضة، مضيفا أن ذلك كله سيجعل الشعب الإثيوبي يتأكد أكثر بأن هذا المشروع برمته كان غلطة كبيرة لا داع لها من الأساس، خاصة وأن هذه الغلطة ورطت البلاد في حالة من عدم الاستقرار الشعب هو أول من يعاني منها على المستوى الاقتصادي.

موقف إيرتريا

وعن سؤاله حول موقف إيرتيا وردة فعلها بعد العقوبات الأمريكية بإعتبارها تورطت بالفعل في الصراع الجاري داخل إثيوبيا، أفاد أستاذ العلاقات الدولية دكتور ناصر مأمون عيسى أنه لفهم موقف إيرتريا لابد أولا من الإلتفات إلى أن هناك فئة من التيجرانيين يعيشون في إيرتريا، والتيجرانيون ينظرون للأراضي التيجرانية بأنها جزء يخصهم هم ولا تخص إثيوبيا، موضحا أن الخلاف الحدودي الذي بين إثيوبيا وإيرتريا، هو في حقيقته خلاف بين تيجراي وإيرتريا.

وأضاف عيسى أن هناك خلاف تاريخي بين إثيوبيا وإريتريا ولن ينتهي إلا بإنتهاء أحد الطرفين، حيث أنه خلاف عقائدي في المقام الأول، مشيرا إلى أن أكثر من يتأذى من الحرب المشتعلة داخل إقليم تيجراي هى إريتريا.