قراءة أكاديمية في البُعد الدولي من كلمة الرئيس السيسي خلال الاحتفال بالذكرى في ذكرى الـ74 لعيد الشرطة المصرية
25 يناير بين الذاكرة الوطنية وإعادة تعريف الدولة
يمثّل تاريخ 25 يناير في الوجدان المصري أكثر من مجرد ذكرى زمنية؛ فهو تاريخ كثيف الدلالات السياسية والاجتماعية، ارتبط بعيد الشرطة بوصفه رمزًا للتضحية من أجل الدولة، ثم تحوّل لاحقًا إلى محطة مفصلية في تشكّل الوعي الوطني الحديث، عبّرت عن تطلعات المصريين إلى العدالة، والاستقرار، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، تُقدَّم كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في ذكرى عيد الشرطة المصرية كحدث خطابي ذي دلالة سياسية، يتجاوز الطابع الاحتفالي إلى إعادة تأطير هذا التاريخ داخل سردية الدولة الوطنية؛ دولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب، وإلى إعادة تعريف دورها داخليًا وخارجيًا في نظام إقليمي ودولي شديد السيولة.
وفي هذا السياق، يكتسب البُعد الدولي في الكلمة أهمية خاصة، إذ يعكس كيف ترى الدولة المصرية نفسها اليوم: فاعلًا مسؤولًا، ووسيطًا للاستقرار، وحاملًا لقضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، من منظور تاريخي وسياسي وأخلاقي يتجاوز الحسابات الآنية.
أولًا: فلسطين وتوازنات القوى في المنطقة
افتتح الرئيس كلمته بالحديث عن القضية الفلسطينية، مستدعيًا الدور المصري منذ عام 1948، ومُعدِّدًا الحروب التي خاضتها مصر دعمًا للقضية الفلسطينية. ولم يأتِ هذا الاستدعاء في إطار استعراض تاريخي، بل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن الحرب لم تكن يومًا حلًا نهائيًا للقضية الفلسطينية، وأن المسار الوحيد القادر على إنتاج استقرار مستدام يتمثل في الحل السياسي القائم على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، مقرونًا بإعادة إعمار قطاع غزة.
ويؤسس هذا المدخل لشرعية الدور المصري بوصفه دورًا نابعًا من التاريخ لا من الظرف، ومن المسؤولية لا من الاصطفاف.
ثانيًا: مصر كركيزة للاستقرار الإقليمي
أكد الخطاب أن لمصر دورًا محوريًا في الحفاظ على استقرار المنطقة وتوازنها، وأنها واجهت تحديات جسيمة، في مقدمتها الإرهاب. ويُقرأ هذا التأكيد في إطار إعادة تقديم مصر باعتبارها دولة مانعة للانهيار الإقليمي، لا مجرد دولة متأثرة بالاضطرابات، حيث يُطرح الأمن كشرط سابق على التنمية وعلى الفاعلية الإقليمية.
ثالثًا: اضطراب النظام الدولي وتآكل القواعد
ربط الخطاب بين الاضطرابات الأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية عالميًا وبين أزمات اللجوء وتبديد مقدرات الشعوب، معتبرًا أن ما يشهده العالم اليوم يخلّ بمبادئ القانون الدولي والإنسانية، ويهدد النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية.
رابعًا: اللاجئون والهجرة غير الشرعية — تمييز سيادي
شدّد الرئيس على أن “الأرض تتسع للجميع”، في إشارة إلى انفتاح مصر على استقبال اللاجئين من منطلق إنساني. ويُلاحظ دأبه على استخدام مصطلح «الضيوف» عند الإشارة إلى اللاجئين، وهو توصيف يحمل دلالة سياسية وإنسانية تُعيد تقديمهم داخل المجال العام بوصفهم في حالة حماية ورعاية.
وفي المقابل، أكّد الخطاب التصدي الحازم لظاهرة الهجرة غير الشرعية باعتبارها جريمة منظمة عابرة للحدود، مميزًا بوضوح بين واجب استقبال اللاجئين وضرورة مواجهة شبكات التهريب.
خامسًا: التحذير من تهجير الفلسطينيين
حذّر الخطاب من أن إخراج الفلسطينيين من قطاع غزة سيؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية، ويفاقم أزمات اللجوء، خاصة باتجاه أوروبا، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية واسعة.
سادسًا: الميليشيات والدفاع عن الدولة الوطنية
وجّه الخطاب رسائل واضحة بشأن خطورة دعم الميليشيات وتقويض المؤسسات الوطنية، معتبرًا أن التجارب الإقليمية أثبتت أن الميليشيات، حتى عندما تُنشأ كأدوات نفوذ، تنتهي إلى تدمير الدول من الداخل.
خاتمة
يقدّم الخطاب رؤية مصر لدورها في زمن السيولة الدولية: فلسطين بوابة الشرعية، واللاجئون بوابة الإنسانية، والهجرة غير الشرعية بوابة السيادة، والميليشيات بوابة الدفاع عن الدولة الوطنية.