📰 EUNACR
📄 • 🎤 مؤتمر مركز سلام لدراسات التطرف • 📄 From the 1982 Communiqué to Trump–Xi 2026: Taiwan and the Changing Logic of U.S.–China Strategic Competition • 📊 Egypt’s Repositioning in State Discourse • 📄 قراءة في البُعد الدولي من كلمة الرئيس السيسي في ذكرى الـ74 لعيد الشرطة المصرية • 📄 Why the United States Is Not Seeking to End the War on Gaza • 📊 لماذا لا تريد الولايات المتحدة وقف حرب غزة؟ • 📄 Competing Doctrines and the Politics of Space: The United States, Russia, and China in a Transforming International Order • 📄 من مبدأ مونرو إلى المجال القريب الروسي… ثم الصين بلا عقيدة مُعلنة • 📄 كيف أثرت حرب 7 أكتوبر على المنطقة؟ مع سارة كيرة •
شعار EUNACR
سد الفجوة

التدخل التركى فى ليبيا فى ضوء الصراع على غاز المتوسط

مصطفى صلاح

تزخر منطقة شرق المتوسط بالثروات التي قد تمثل بداية لنزاعات إقليمية ودولية وذلك بعد الإعلان عن اكتشافات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي بهذه المنطقة التي تقدر احتياطاتها من الغاز الطبيعي بحوالي 122 تريليون قدم مكعب، بينما تقدر احتياطيات النفط فيها بحوالي 1.7 تريليون برميل، وعلى العكس من الاعتقاد بأن هذه الثروات يمكن أن تتسبب في تحول جيوسياسي تعاوني يحقق السلام بين الدول الموجودة في منطقة شرق المتوسط يتخطى أثره هذه البلدان إلى امتداد تأثيره إقليميًا ودوليًا، بيد أن هذه الاكتشافات تحولت إلى قضية للنزاع الداخلي والإقليمي والدولي، فضلًا عن تحولها إلى سبب في زيادة التوترات السياسية والأمنية، وهو ما قد يُفضي في مرحلة من المراحل إلى الصدام بدلًا من التعاون، ومن ثم فإن هذه الاكتشافات ساهمت في زيادة مستوى التوترات بين الكثير من الدول سواء في داخل المنطقة أو من خارجها، والتي تشكلت في الأساس بسبب الخلافات بشأن ترسيم الحدود البحرية.

وضمن نفس السياق بدأ التنافس على الطاقة في منطقة حوض شرق المتوسط تتحدد ملامحه، وهو ما أمتدت انعكاساته على تصاعد حدة التوترات بين الكثير من الدول، وهذا المشهد التنافسي بات أكثر الشواهد تعبيرًا عن خريطة التحالفات الإقليمية الجديدة في منطقة شرق المتوسط وصراع المراكز الإقليمية على هذه الثروة النفطية الكبيرة والتي قد تفوق في إنتاجيتها مستويات الإنتاج من منطقة الخليج وروسيا معًا، بالإضافة إلى إن التنافس من الممكن أن يتطور ليشكل نواة صراع جديدة بمحددات جيوسياسية واستراتيجية في ظل حالة التعقيد التي تحيط بالتطلعات السياسية والاقتصادية لهذه الدول للحصول على مميزات المركز الإقليمي للطاقة في هذه المنطقة الحيوية التي تتشابك فيها الحدود المائية والمصالح الخاصة بالطاقة.

ومن هذا المنطلق، تبحث الدراسة المقدرات الاقتصادية التي تمتلكها منطقة شرق المتوسط، وأهم الخلافات حولها ودور القوى الإقليمية والدولية من خلال توضيح التنافس بينهم على هذه الثروة، وبخاصة السياسة التركية التي تحاول أن تنخرط في السيطرة على المقدرات الاقتصادية للعديد من دول المنطقة متجاوزة بذلك قواعد القانون الدولي وكذلك الاتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة، وكذلك وتوضيح  أهم أهدافها ودوافعها.

أولًا: المقدرات الاقتصادية في منطقة شرق المتوسط

توجد العديد من الدول في شرق المتوسط  ففي جنوبه هناك مصر وفي شرقه فلسطين وإسرائيل ولبنان وسوريا وتركيا، وفي وسطه قبرص، بينما هناك تركيا في شمال شرق المتوسط، ولكل من هذه الدول منطقتها الاقتصادية الخاصة بها، كما تسبب اكتشاف هذه الثروات الطبيعية في شرق المتوسط إلى مطالب بترسيم المناطق الاقتصادية لكل من هذه الدول، ومن ثم ظهرت الخلافات بينهم.

وتحتوي المنطقة على الكثير من الاكتشافات الطبيعية الضخمة من الغاز ففي يناير 2009، اكتشفت إسرائيل حقل “تمار” الذي يعد ثاني أكبر حقل للغاز في منطقة شرق المتوسط ويبلغ المخزون الاحتياطي له ما يقارب 9.7 تريليونات قدم مكعب من الغاز ويبعد 90 كم عن شواطئ شمال إسرائيل، كما شهدت إسرائيل العديد من الاكتشافات الأخرى مثل حقل “داليت” الذي يبعد 60 كم غربًا عن مدينة حيفا، ويبلغ احتياطيه ما بين 0.35 و 0.5 تريليون قدم مكعب من الغاز، إلا أن العام 2012 شهد أهم اكتشافين بالنسبة لإسرائيل ممثلين في حقلي “تانين أو خزان التمساح وحقل ليفياثان” ويبلغ احتياطي الحقلين 18.2 تريليون قدم مكعب من الغاز.

بالنسبة لقبرص ففي عام 2009 اكتشاف حقل “أفروديت” على بعد 180 كم من الشاطئ الجنوبي الغربي لقبرص، بإجمالي مخزون 9 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي، كما أعلنت شركة “إيني” الإيطالية في فبراير 2018، اكتشاف حقل “كاليبسو” في المنطقة المتنازع عليها بين قبرص وتركيا. وفي عام 2015 اكتشفت مصر حقل “ظهر” والذي يعتبر من أكبر اكتشافات للغاز الطبيعي داخل المنطقة الاقتصادية في البحر المتوسط، والذي يبعد 150 كم عن الساحل، ويبلغ احتياطاته 30 تريليون قدم مكعب.

وفي نفس السياق، وبالتوازي مع هذه الاكتشافات النفطية تتزايد الخلافات السياسية بالدول المعنية وما يتعلق من خلافات ومشاكل حول الحدود البحرية لكل دولة، ومن ثم التأثير على الامتيازات الخاصة بهذه الاكتشافات، وما قد تمثله للتحول من فرص للتعاون الاقتصادي والسياسي إلي الدخول في مواجهات عسكرية، وفيما يلي رسم توضيحي لأهم الاكتشافات النفطية:

وفيما يلي جدول يوضح أهم الحقول المكتشفة في منطقة شرق المتوسط:

وبسبب هذه الاكتشافات شهدت منطقة شرق المتوسط في الفترة الأخيرة توقيع العديد من الاتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود، ففي عام 2007 وقعت حكومتي قبرص ولبنان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، وشهدت الحكومتان الإسرائيلية والقبرصية في 17 أكتوبر 2010، توقيع اتفاقيه ترسيم الحدود البحرية لتحديد المنطقة الاقتصادية الخاصة بكل دولة، وفي 17 فبراير 2013 تم التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين كل من مصر وقبرص، بالإضافة إلى اتفاق مد خط أنابيب غاز شرق المتوسط «إيست ميد» الموقع بين كل من إسرائيل وقبرص واليونان، في يناير 2020، وجاء توقيع الاتفاق بعدما إبرام تركيا وحكومة الوفاق الليبية بزعامة فايز السراج اتفاقيتين بحرية وأمنية لترسيم الحدود في البحر المتوسط. ويهدف الاتفاق لتكوين حلقة وصل ثلاثية مهمة في سلسلة إمدادات الطاقة لأوروبا، وأيضًا لمواجهة محاولات تركيا بسط سيطرتها على موارد الطاقة في شرق المتوسط، ويجب الإشارة هنا إلى أنه بالرغم من وجود العديد من الأسس القانونية الحاكمة لقانون البحار واتفاقيات ترسيم الحدود بين الدول، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الدول التي تهدف إلى تعزيز نفوذها الإقليمي وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وبخاصة تركيا.

ومن ثم فإن الاتفاقية الأمنية بين تركيا وحكومة طرابلس تمثل امتدادًا لمذكرة تفاهم تم توقيعها في 4 أبريل 2012، وتشمل تعاونًا في المجالات الأمنية والعسكرية، وتشير الخريطة إلى أن التفاهم التركي- الليبي سوف يترتب عليه تغير في الخرائط الخاصة بالأطراف الأخرى؛ حيث ستمنع اليونان من التواصل مع الحدود البحرية لقبرص، خاصة إذا ما تم أخذ الامتيازات التي حصلت عليها أثينا من مصر بعين الاعتبار. وتشكل هذه النتيجة التحدي الرئيسي للاتفاقيات السابقة حول تقسيم المنافع الاقتصادية في البحر المتوسط.

وفي سياق تحقيق التعاون بين دول شرق المتوسط أعلنت مصر تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط بمشاركة 7 دول دون تركيا في 14 يناير 2019، لتحقيق التعاون وفقًا لمبادئ القانون الدولي في منطقة شرق المتوسط بين منتجي ‏الغاز الحاليين والمحتملين من خلال التنسيق بين أطراف الاستهلاك والعبور في المنطقة، وذلك لتعميق التفاهم والوعي ‏المتبادل بالتحديات والمصالح المشتركة في مجال الطاقة بين دول المنطقة، وفي مقابل ذلك تحاول تركيا تشكيل تكتل موازي للتحالف الذي تقوده مصر ، من خلال تحقيق التقارب مع بعض الدول في المنطقة مثل لبنان وقبرص التركية. ففي شهر أغسطس ٢٠١٩، أجرى وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، زيارة إلى لبنان عبر خلالها عن عرض تركيا لمساعدة لبنان في استخراج موارد الطاقة من البحر المتوسط، وتصديرها إلى الدول الأوروبية عبر خط للغاز يربط لبنان بتركيا من ناحية ومن ناحية أخرى استمرار تدفق النفط إلي تركيا خاصة وأن تركيا تعتمد على روسيا في معظم وارداتها من الغاز، كما أن لبنان لم تبدأ بعد في استخراج الغاز من الحقول المكتشفة ولم توقع اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية مع أي دولة.

وهنا يجب الإشارة إلى أن هناك أربعة مستويات من الخلافات بين دول المنطقة والتي تتمثل في الخلافات على ترسيم الحدود البحرية بين هذه الدول، والمستوى الثاني يرتبط بصورة مباشرة بالشركات العاملة في مجال التنقيب في ظل هذه الخلافات، في حين يتمثل المستوى الثالث في الكيفية التي يتم بها تصدير هذه الثروة، وأخيرًا يتمثل المستوى الثالث من الخلافات في التواجد العسكري والتحالفات الجديدة التي تشهدها المنطقة.

وبناء عليه فإن اكتشاف هذه الثروات ساهم في تصاعد حدة الخلافات خاصة في ظل النزاعات الحدودية حول المناطق الاقتصادية الخاصة بكل دولة؛ حيث يُعد ترسيم الحدود البحرية العامل المهم في التأثير على حجم الثروات المستحقة لكل دولة، وضمن نفس السياق فإن هناك الكثير من الدول في منطقة شرق المتوسط لم توقع على معاهدة قانون البحار في عام 1982 مثل تركيا وإسرائيل وسوريا، وهذه الدول تعتمد على معايير مختلفة في رسم حدودها عن الدول الموقعة، ما يمكن أن يساهم في تضارب المصالح بين الدول الموجودة على حدود بحرية مشتركة أو متداخلة.

ثانيًا: الدور التركي في ليبيا

تتعدد دوافع وأهداف تركيا في ليبيا وتتخذ مسارات مختلفة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية خاصة وأن تركيا حاولت تعزيز نفوذها الإقليمي بعد أحداث ما يعرف باسم الثورات العربية في عام 2011، ومنذ تصاعد الأحداث في ليبيا فبراير عام 2011، حاولت تركيا التدخل لضمان حماية مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية سواء في الداخل الليبي أو في محيطها الإقليمي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدور التركي في ليبيا قد بدأ للحفاظ على المصالح الاقتصادية لما لها من أهمية بالنسبة لتركيا والتي تقدر استثماراتها بنحو 15 مليار دولار، كما أن السوق الليبية تعد من أهم الدوائر الاقتصادية التركية؛ حيث يوجد 120 شركة تركية هناك.

وعلى الرغم من أن تركيا بدأت دورها في ليبيا بالتركيز على الجانب الاقتصادي إلإ أنه وبعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، بدأت السياسة التركية في زيادة مستوى تأثيرها في الداخل الييبي على مختلف الأصعدة، وتحولت في توجهاتها من خلال تقديم الدعم للجماعات الإسلامية المسلحة التابعة لها وخاصة حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وأيضًا الميليشيات العسكرية المنتشرة في مدينة مصراتة في غرب ليبيا.

وضمن نفس السياق تدخلت تركيا بتقديم الدعم المالي والعسكري للجماعات المسلحة في تحالف ما يعرف بــــ”فجر ليبيا” في مواجهة الجيش الوطني الليبي خلال عملية الكرامة التي أعلنها في مايو 2014، بقيادة المشير “خليفة حفتر”، وهو ما تسبب في زيادة مستوى الخلافات الداخلية مع الشرق الليبي، ومن ثم انتقد قائد الجيش الليبي في الشرق التحركات التركية القائمة على دعم الإرهاب في ليبيا، بسبب تزايد أعداد المقاتلين الأجانب في ليبيا من خلال الرحلات الجوية المباشرة من تركيا إلى مصراتة لنقل مسلحين من جبهة النصرة في سوريا، وأصدرت حكومة الشرق الليبي قرارًا بإيقاف التعامل مع كافة الشركات التركية في ليبيا ردًا على سياساتها الداعمة لتحالف “فجر ليبيا”. ومن ثم كانت هذه الإشكاليات بمثابة الدافع الأول لإعادة النظر من جديد حول جدلية، وحدود وطبيعة الدور التركي في ليبيا؟

ثالثًا: دوافع وأهداف تركيا من التدخل في ليبيا

تزايدت الخلافات والصراعات في منطقة شرق المتوسط إثر توقيع الاتفاق التركي – الليبي، وموافقة برلمان أنقرة على إرسال قوات إلى طرابلس، وهو ما سيفتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من المستجدات السياسية والاستراتيجية والعسكرية جديدة في ظل تباين الأهداف التركية مع دول شرق المتوسط وهو ما يمكن أن يساهم في إيجاد نمطًا جديدًا للصراعات فضلاً عن أنه سيشمل دولًا مجاورة، وأخرى خارج الإقليم، مثل روسيا والولايات المتحدة.

وتمثل خريطة التفاعلات الراهنة في منطقة شرق المتوسط بين كل من اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل وسوريا ولبنان، والسلطة الفلسطينية، وفي المقابل تقف تركيا وقبرص التركية، بالإضافة إلى إيطاليا وفرنسا كطرف مركزي، ودول أخرى تتأثر بالتطورات الليبية لاعتبارات الجوار الإقليمي مثل تونس والجزائر. وبالتالي، فإن الصراع على الموارد الطبيعية يكاد يشمل جميع أطراف المنطقة، وسيكون دخول الجانب التركي على خط المواجهة في الإقليم من البوابة الليبية سببًا مباشرًا في تأجيج الصراع، ودخوله مرحلة جديدة على مختلف المستويات.

ومن هنا يجب الإشارة إلى أن هناك الكثير من الدوافع والأهداف التي تسعى إليها تركيا من تدخلها في الأزمة الليبية بعضها يتعلق بالدور التركي في المنطقة وحدود نفوذه وبعضها الآخر يرتبط بصورة أو بأخرى بمنطقة شرق المتوسط، ويؤكد على هذه التوجهات، عندما وقعت أنقرة وحكومة الوفاق الليبية في نوفمبر2019، مذكرة تفاهم تتعلق بترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني عقب زيارة فائز السراج إلى تركيا. وهو الأمر الذي أعقبه إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اعتزامه التدخل العسكري في ليبيا بصورة مباشرة، وجاء التدخل التركي لتحقيق بعض الأهداف منها البحث عن مصالحها المتعددة في ليبيا، ودعمها للتنظيمات الإرهابية الموجودة، ومواجهة الدور المصري وإيجاد نفوذ لها في أي تطورات جارية في شرق المتوسط، وفيما يلي أبرز هذه الدوافع والأهداف:

1) على المستوى السياسي

تهدف تركيا من التدخل في الأزمة الليبية تحقيق العديد من المكاسب السياسية المباشرة وغير المباشرة والتي من أهمها تحقيق الربط بين المصالح التركية الداخلية وبين نفوذها الإقليمي، ومن هذا المنطلق تتعدد صور هذا الدافع على المستويين الداخلي والخارجي؛ حيث تهدف تركيا إلى توفير غطاء سياسي يسمح لها بالتدخل العسكري في ليبيا، في ظل سياستها المعلنة بأنها تستهدف مساعدة الليبيين على بناء نظام ديموقراطي جديد، ومنع حدوث كارثة إنسانية، ومواجهة التهديدات التي تشكلها المليشيات المسلحة، والمهاجرين غير الشرعيين، والدفاع عن مصالح تركيا الاقتصادية في ليبيا، وعلى المستوى الخارجي تستهدف تركيا تقويض دول الجوار الجغرافي خاصة مصر بعدما تم الإطاحة بحكم الإخوان الذين تدعمهم، ومن ثم يتمثل الهدف الخارجي الأساسي في تحقيق مزيد من عدم الاستقرار التي من شأنها تنفيذ أجندتها الخاصة بالتوسع تحت مظلة العثمانية الجديدة.

وتهدف تركيا استثمار علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًا في توظيف الموقع الجغرافي المتميز لليبيا لإيجاد موطئ قدم لها في مواجهة العزلة الإقليمية التي تتعرض لها في منطقة شرق المتوسط بسبب نشاطها الغير شرعي في التنقيب عن الغاز في المناطق الاقتصادية الخاصة ببعض الدول في منطقة شرق المتوسط أو في الأزمتين السورية والعراقية، ويمكن إرجاع الاهتمام التركي بالتدخل في ليبيا بسبب سعيها إلى تعزيز نفوذها في مناطق جديدة داخل الدول العربية خاصة بعد تراجع نفوذها في سوريا لصالح بعض الدول الإقليمية والدولية مثل روسيا وإيران، والتي انعكست على مسارات الدور التركي في الأزمة السورية، وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للعراق فقد تراجع الدور التركي في العراق خاصة مناطق الشمال بسبب المعارضة الإيرانية والأمريكية لهذه التحركات.

وبناء عليه تمثل الأزمة الليبية أحد أهم المفاتيح الهامة التي يمكن لتركيا أن تمارس دورًا لا يلقى معارضة إقليمية ودولية كبيرة خاصة في ظل تذبذب وتردد الأدوار الإقليمية والدولية على عكس الأزمة السورية التي تشهد حضورًا فاعلًا من جانب القوى الإقليمية والدولية؛ لذا تستغل تركيا الانشغال الدولي والإقليمي عن الأزمة لإيجاد موطئ قدم لها بدعمها سياسيًا وعسكريًا حكومة فايز السراج والميليشيات المسلحة في طرابلس وغرب ليبيا من جهة ومن جهة أخرى استثمار نفوذها في رسم دورها في جيوبوليتيك الطاقة في منطقة شرق المتوسط.

2) على المستوى الاقتصادي

تستهدف تركيا من تدخلها في الأزمة الليبية بجانب تعزيز نفوذها السياسي الرغبة في الحصول على المقدرات الاقتصادية سواء في الداخل الليبي أو كبداية للانطلاق نحو الاستحواذ على المقدرات الاقتصادية في شرق المتوسط، وضمن نفس السياق تستهدف تركيا الحصول على بعض المكاسب الاقتصادية مثل المشاريع الاقتصادية الخاصة بعمليات إعادة الإعمار، وفتح الموانئ أمام السلع والبضائع التركية، ومجالًا للنفوذ في بلد يعتبر من أكثر البلدان أهمية واستراتيجية في البحر المتوسط، كما تسعى تركيا إلى أن تتحول لمركز نقل للطاقة، وهو ما يتضح في قيامها ببناء وتطوير خطوط نقل الطاقة من روسيا وإيران وأذربيجان وقبرص وإسرائيل إلى أوروبا، ويأتي على رأس هذه المشروعات “السيل التركي” الذي يهدف لنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر تركيا، ويبدو أن تركيا باتت ترغب أيضًا في أن تتحول إلى مصدر للطاقة من خلال سيطرتها على الغاز الذي يحيط بالجزيرة القبرصية. وفي هذا السياق، بدأت تركيا في توسيع نفوذها في البحر الأحمر، خاصة بعد تحركها للحصول على امتياز بميناء سواكن، وذلك في إطار سعيها لمد وتوسيع نطاق نفوذها في نقل الطاقة بالشرق الأوسط، ويمكن الإشارة هنا إلى أن هناك الكثير من الأهداف الاقتصادية التي تسعى تركيا إلى تحقيقها من أهمها:

  • استحواذ الشركات التركية على كافة المشاريع الخاصة بإعادة الإعمار؛ حيث تمثل ليبيا من أول الدول التي تمارس بداخلها الشركات التركية أنشطتهم منذ عام 1972. كما أنها الدولة الثالثة ضمن قائمة البلدان الأجنبية الأكثر احتضانًا لمشروعات الأتراك، بقيم مالية تصل إلى 28.9 مليار دولار. فضلًا عن تعويض الخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها تركيا في ليبيا بعد سقوط نظام “القذافي”، سواء بسبب تدهور الأوضاع الأمنية أو بسبب قرار حكومة الشرق الليبي بإيقاف التعامل مع الشركات التركية بسبب دعم تركيا للإسلاميين في الغرب. خاصة وأن الاستثمارات التركية في ليبيا بقطاع التشييد خلال مرحلة “القذافي” بلغت 15 مليار دولار، وكانت أحد الأسباب الرئيسية لتأخر تأييد تركيا للثورة الليبية.
  • السيطرة على الثروات النفطية الليبية لما تمتلكه من وفرة في هذه الموارد؛ حيث تعاني تركيا من ندرة في هذا المورد وتلجأ إلى استيراد 95% من احتياجاتها من الجانب الروسي، في حين تعد ليبيا ثاني أكبر الدول الإفريقية انتاجًا للنفط، وتمتلك الكثير من الاحتياطات النفطية والتي تقدر بــــ 34 مليار برميل، وضمن نفس السياق فإن تركيا تواجه الكثير من الضغوط الأمريكية بسبب إنشاء خط الغاز الروسي، السيل الشمالي 2 أو نورد ستريم، والسيل التركي أو ترك ستريم، وفي كل الأحوال تجد تركيا نفسها في مأزق ما بين الاستمرار في هذا المشروع وعدم الرضوخ للسياسة الأمريكية ومن ثم استمرار العقوبات عليها أو فيما يتعلق بإيقاف هذا المشروع وفي تلك الحالة ستتعرض تركيا لجملة من الضغوط الروسية مثل التي شهدتها بعد الأزمة الدبلوماسية بينهما في نوفمبر 2015، بسبب إسقاط تركيا للطائرة الروسية.
  • الصراع التركي على الطاقة في شرق المتوسط؛ حيث تهدف تركيا من التدخل في الأزمة الليبية إثبات نفوذها في منطقة شرق المتوسط بعد الاكتشافات الحديثة والضخمة من الموارد النفطية، في محاولة من جانبها لاستثمار الخلافات على ترسيم الحدود البحرية بين دول المنطقة، وفي إطار تحقيق ذلك تمكنت تركيا من توقيع مذكرة ترسيم حدود بحرية يتيح لها التنقيب عن الغاز بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للنفط بالشمال الغربي لليبيا.

3) على المستوى العسكري

بجانب المستويين السياسي والاقتصادي يمثل المستوى العسكري هدفًا مهمًا في توجهات تركيا نحو ليبيا، ويعد الدور العسكري التركي في المنطقة سمة أساسية في استراتيجيتها الخارجية لتعزيز نفوذها الإقليمي، وكما هو الحال في سوريا والعراق فإن التدخل العسكري التركي في الأزمة الليبية بدأ بصورة غير مباشرة من خلال دعم الجماعات المسلحة التابعة لها ثم تحول بعد التوقيع على الاتفاق الأمني في نوفمبر 2019 إلى التدخل بصورة مباشرة من خلال استثمار التقارب السياسي والاقتصادي مع حكومة الوفاق الليبية، وإقرار البرلمان التركي في 2 يناير 2020، بالموافقة على إرسال قوة عسكرية تركية إلى الأراضي الليبية. ولعل هذا الأمر يعد امتدادًا لنفس الأهداف التركية وإن كان هناك تغير في طبيعة الأدوات، فعمليات تهريب الأسلحة والصواريخ إلى ليبيا، ومعالجة الإرهابيين المصابين فى معارك مع القوات المسلحة الليبية يؤشر على طبيعة الدور العسكري في الأزمة.

رابعًا: المواقف الإقليمية والدولية من السياسة التركية

يبدو أن تركيا تسعى بقوة من أجل تحقيق اكتفائها من الاعتماد على الطاقة من الدول المجاورة، مدفوعة بالإمكانيات والاحتياطيات الهائلة من مصادر الطاقة في شرق المتوسط، ولذلك أرسلت سفنها للتنقيب عن النفط بالقرب من جزيرة قبرص، ورست مؤخرًا سفينة “ياووز” التركية قبالة سواحل قبرص من أجل البدء بالتنقيب عن النفط والغاز، الأمر الذي دفع نيقوسيا إلى توجيه احتجاج شديد اللهجة لأنقرة، كما انتقد الاتحاد الأوروبي هذا الإجراء، ومن هذا المنطلق برزت العديد من الآليات التي من شأنها محاصرة التدخل التركي في الأزمة الليبية أو في منطقة شرق المتوسط، خاصة بعدما أعلنت أنقرة استعدادها للتواجد الميداني من خلال إرسال قوات عسكرية نظامية أو من خلال الجماعات المسلحة التابعة لها من مناطق النزاعات في سوريا والعراق، وهو ما تسبب في إيجاد بيئة إقليمية ودولية ضاغطة على السياسة، وضمن هذا الإطار أعلنت العديد من الدول معارضتها للسياسة التركية التصعيدية سواء فيما يتعلق بالتدخل في الأزمة الليبية أو في منطقة شرق المتوسط حيث الموارد الاقتصادية الكبيرة والتي تتشارك فيها دول إقليمية ودولية عديدة، ولعل هذا الأمر ظهر بصورة كبيرة في تداعياته على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية وذلك على النحو التالي:

1) المواجهة السياسية

تباينت المواجهة السياسية على المستويين الإقليمي والدولي بين الدعوة إلى التنسيق والتعاون المتبادل بين هذه الدول في مواجهة التدخل التركي في الأزمة الليبية أو فيما يتعلق بتسوية الأزمة الخاصة بترسيم الحدود البحرية بين دول منطقة في شرق المتوسط، ولعل أهم تلك الدعوات تمثلت في مسار برلين السياسي الذي تدعمه فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا لتسوية الأوضاع الداخلية الليبية، والتي ترتبط بصورة مباشرة بمنطقة شرق المتوسط، وفي نهج سياسي تصعيدي موازي أعلنت اليونان في 5 ديسمبر 2019، طرد السفير الليبي بسبب الاتفاق بين حكومة الوفاق وتركيا، وضمن نفس السياق؛ قام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بإجراء مشاورات حول كيفية الحد من التأثيرات السلبية للاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية؛ خاصة في ظل الاهتمام الأوروبي بتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة، فيما يتعلق بتأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن الجانب الروسي الذي تشهد علاقاتها معه توترات عديدة؛ خاصة أن بنود الاتفاق تسمح لتركيا بالوجود في مناطق تخضع للسيادة اليونانية والقبرصية، والتي تشهد نزاعًا طويل المدى حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط.

وامتدادًا لهذه التوجهات عُقدت قمة ثلاثية بين رؤساء مصر واليونان وقبرص في 8 أكتوبر 2019، للتباحث حول سبل تعزيز العلاقات بينهم والتأكيد على حقوق الثلاث بلدان الأساسية في حماية ثرواتهم النفطية، ودعم جهود قبرص للتوصل إلى تسوية لقضيتها على أساس قرارات مجلس الأمن، وبناء عليه أعلنت الدول الثلاث مواجهتها للأعمال الغير مشروعة التي تقوم بها تركيا داخل منطقة شرق المتوسط وخاصة في المنطقة الاقتصادية الخالصة (الجرف القاري) لقبرص.

ومن قبل أعلنت مصر إنشاء منتدى “غاز شرق المتوسط” في يناير 2019 ومقره القاهرة للتنسيق بين الدول المشاطئة للبحر المتوسط، والذي يمثل الآلية السياسية والاقتصادية للدول المتوسطية لتحقيق التعاون بينهم خاصة مع وجود احتياطات كبيرة من الغاز في هذا الإقليم تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ويتضمن المنتدى عدة دول بالإضافة إلى مصر هم إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب بذلك، ووفق الاتفاقية بين أنقرة وحكومة الوفاق الليبية فإن أنقرة تستهدف إرسال إشارة إلى للدول في هذه المنطقة في مجال الطاقة في المنطقة، إنه ما لم يتم السماح لها في تقاسم هذه الثروة فإن وصول خطوط أنابيب الغاز إلى أوروبا سيواجه صعوبة، وكذلك مواجهة اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية بين كل من مصر واليونان وقبرص، ومزاحمة الدول التي تقوم بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، بعد الاكتشافات الضخمة في قطاع الغاز الطبيعي بالإقليم.

2) المواجهة الاقتصادية

بالتوازي مع المواجهة السياسية برزت العديد من الآليات الاقتصادية التي من شأنها مواجهة السياسة التركية، وضمن هذا السياق تمثل العقوبات الاقتصادية الأمريكية أبرز تلك الأدوات الضاغطة على تركيا؛ ومن جانب دول الاتحاد الأوروبي يستهدف الاتحاد الخروج بمجموعة من الإجراءات التي لم تعد فقط العقوبات السياسية آلية وحيدة على ردع ومواجهة السياسة التركية خاصة أن هناك تشابكًا بينهما تجاه الكثير من الملفات الإقليمية والدولية، مثل أزمة اللاجئين أو قضية العائدين من داعش، والعلاقة مع روسيا وهو ما تستثمره تركيا في الضغط على دول الاتحاد، وفي مواجهة ذلك وقع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي 11 نوفمبر 2019 على الإطار القانوني الذي يسمح بفرض عقوبات على تركيا بسبب أنشطة التنقيب عن الغاز التي تقوم بها قبالة سواحل قبرص. ويهدف القرار لمعاقبة أنقرة على انتهاك المنطقة الاقتصادية البحرية القبرصية بالحفر قبالة الجزيرة المقسمة، وتعكس هذه الخطوة تدهور علاقات دول الاتحاد الأوروبي مع تركيا، كما أن هذه العقوبات جاءت بعد قرار منفصل بوقف مبيعات السلاح الجديدة من حكومات الاتحاد الأوروبي لأنقرة بسبب تدخلها العسكري في 9  أكتوبر 2019  في شمال شرق سوريا واستهدافها المقاتلين الأكراد.

3) المواجهة العسكرية

بسبب التصعيد العسكري التركي في ليبيا أو في منطقة شرق المتوسط، فقد شهدت المنطقة العديد من المناورات العسكرية لمواجهة الأخطار المتنامية في شرق المتوسط؛ حيث شاركت مصر في نوفمبر 2017 بمناورات عسكرية مشتركة مع اليونان في جزيرة رودس اليونانية منزوعة السلاح لقربها من الأراضي التركية، كما شاركت اليونان في مناورات النجم الساطع عامي 2017 و2018 بعد إعادة إحياءها مرة أخرى في قاعدة محمد نجيب العسكرية المصرية، ويأتي هذا التدريب الأخير كامتداد لتنامي علاقات الشراكة والتعاون العسكري بين القوات المسلحة في منطقة شرق المتوسط وإظهار ما وصلت إليه القوات المشاركة من القدرة القتالية العالية والمستوى الراقي من التدريب لمواجهة التحديات المتنامية، وفي 3 نوفمبر 2019  أعلنت مصر عن انطلاق مناورات عسكرية بحرية وجوية بالاشتراك مع اليونان وقبرص في البحر المتوسط”ميدوزا – 9″، لمواجهة أي تهديدات محتملة، وذلك وسط التوتر المتصاعد مع تركيا بسبب التنقيب عن الغاز والنفط. وتتم فعاليات التدريب البحري الجوي المشترك “ميدوزا – 9” بمشاركة عناصر من القوات البحرية والقوات الجوية والقوات الخاصة المصرية واليونانية والقبرصية، والتي تستمر لعدة أيام بمسرح عمليات البحر المتوسط بدولة اليونان.

من جانب روسيا وفيما يتعلق بالاتفاق التركي مع حكومة الوفاق الليبية دعا الرئيس فلاديمير بوتين إلى وقف الأعمال العسكرية في ليبيا، والتوصل إلى حل يسمح بتوزيع صلاحيات الحكم بين الأطراف الليبية، وقال بوتين: إن روسيا على اتصال مع جميع الفرقاء الليبيين، بما في ذلك رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، مشيرًا الى أن هناك مشاورات تجريها موسكو مع تركيا ودول أوروبية أخرى بهذا الإطار؛ خاصة بعد زيادة نقل تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا وفق الاتفاق الأمني مع حكومة الوفاق.

وبسبب الخلاف الأمريكي مع تركيا أعلن الكونجرس في 17 ديسمبر 2019 رفع الحظر العسكري المفروض على قبرص منذ عقود، في خطوة تنطوي على مواجهة عسكرية غير مباشرة لتركيا من خلال تعزيز العلاقات الأمريكية مع الجزيرة المتوسطية.

وفي نفس الإطار تباحثت مصر مع إيطاليا أبرز المستجدات العسكرية في منطقة شرق المتوسط فى إطار التشاور المتواصل بين مصر وإيطاليا حول ليبيا؛ حيث أجرى سامح شكرى وزير الخارجية المصرية، اتصالًا هاتفيًا مع “لويجى دى مايو” وزير الخارجية والتعاون الدولى الإيطالي والتوافق على ضرورة العمل على تكثيف الجهود فى سبيل استعادة الأمن والاستقرار فى ليبيا، مع رفض التدخلات العسكرية التركية فى إطار مسار برلين السياسي، كما أكد الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والمصري عبد الفتاح السيسي على أن مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية تعارض مبادئ القانون الدولي.

خامسًا: مستقبل الدور التركي

لقد ساهم الوضع الإقليمي التصعيدي في منطقة شرق المتوسط والسياسات التركية غير القانونية فيما يخص قضيتي ليبيا والتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط في اتجاه تصاعد الخلافات بين الكثير من القوى الإقليمية والدولية، كما فرضت التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكثير من الأبعاد حول طبيعة الأدوات والوسائل والأهداف، وعلى الرغم من هذا التصعيد بين دول المنطقة بسبب السياسة التركية إلا أنه تظل لتلك الثروة النفطية الكبيرة العديد من الآليات التي يمكن الاستفادة منها في تحقيق التعاون بين دول المنطقة في مواجهة السياسات التركية بمختلف جوانبها التصعيدية، ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن مستقبل التدخل التركي في الأزمة الليبية ومنطقة شرق المتوسط من خلال سيناريوهات عديدة من أهمها:

1) تعزيز جهود الوساطة في ضوء القانون الدولي

يمكن أن تتدخل بعض الأطراف الدولية لمحاولة التوصل لتسوية قانونية فيما يتعلق بمشاكل ترسيم الحدود البحرية بين دول منطقة شرق المتوسط، خاصة وأن هناك الكثير من الاتفاقيات المتعلقة بهذا الأمر بين دول المنطقة في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ويمكن تكثيف جهود الوساطة لتوقيع باقي دول المنطقة على هذه الاتفاقية وخاصة الجانب التركي للوقوف في وجه السياسات التي من شأنها تصعيد الخلاف وعدم الاستقرار.

2) المواجهة العسكرية

قد تتسبب حالة التصعيد المتبادل بين دول المنطقة من جانب وتركيا من جانب آخر إلى نشوء صدامات عسكرية محدودة يمكن لها أن تتطور في هذا المناخ التصعيدي، ويزيد من احتمالية ذلك هو أن ملف الصراع على الغاز في شرق المتوسط لا يعد القضية الوحيدة التي تؤثر على العلاقات بينهم والتي تشهد توترات وخلافات متزايدة بسبب الكثير من الملفات الأخرى، ومن ثم نشوب الصراع ووقوع اشتباك عسكري بين دول المنطقة وتركيا بعد قيام الأخيرة بتفعيل الاتفاق الأمني مع حكومة الوفاق في ظل الاستعدادات العسكرية المصرية، والتنسيق مع اليونان وقبرص سياسيًا وعسكريًا، ورغم أن المواجهة العسكرية أمر من الصعب حدوثه لأن منطقة الشرق الأوسط ليست في حاجة إلى تأزيم أو تصعيد الأمور بل في حاجة إلى التهدئة، إلا أن احتمالاته تظل قائمة في ظل المعطيات الميدانية.

3) فرض العقوبات

يمكن لسلاح العقوبات أن يمثل العديد من الضغوط على تركيا خاصة وأن هناك رفض إقليمي ودولي لسياساتها في هذه المنطقة خاصة وأن موقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من التنافس الجاري شرق المتوسط منحاز بشكل واضح إلى قبرص اليونانية واليونان في مواجهة تركيا، ومن المحتمل أن تتسبب العقوبات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تواجهها تركيا إلى الحيلولة دون التمادي في انتهاج سياسات تصعيدية سواء فيما يتعلق بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا أو فيما يتعلق بنشاطها غير المشروع في التنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط.

بالتوازي مع ذلك فإن هناك جانب مهم في فهم طبيعة الضغوط التي تتعرض لها تركيا داخليًا؛ حيث تتزايد الضغوط من جانب المعارضة التي تتوافق بصورة كبيرة مع التوجهات الإقليمية والدولية التي ترفض السياسة الخارجية التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية، وضمن نفس السياق أعلن رئيس حزب الشعب الجمهوري وزعيم المعارضة التركية، كمال قليجدار أوغلو، عن رفضه إرسال قوات تركية إلى ليبيا، وأن هذا التحرك من شأنه أن يفاقم الصراع في ليبيا، وتأسيسًا على ذلك فإن توازي الضغوط الداخلية والخارجية من شأنه أن يمثل مسار ضغط وردع للسياسة التركية الخارجية في ليبيا وفي منطقة شرق المتوسط.

ويفترض هذا السيناريو استمرار حالة التصعيد وتشكيل محاور إقليمية ودولية مناوئة لتركيا، ومن ناحية تركيا فإنها ستستمر في انتهاج السياسات التصعيدية لها وخلق محاورها الخاصة، الأمر الذي قد يتطور إلى إمكانية فرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية رادعة ويعود ذلك إلى أهمية جيبوليتك المنطقة وبعدها التاريخي، ولما تحويه من ثروات وطاقة، لذلك قد يتراوح التصعيد بين العقوبات الاقتصادية والسياسية والمناوشات العسكرية، ومحاولة إلغاء الاتفاقية بين تركيا وحكومة الوفاق، ويدعم هذا السيناريو التباينات الشديدة في سياسات الدول المطلة على شرق المتوسط.

4) التعاون المشروط

يرتكز هذا السيناريو على إمكانية تسوية الخلافات والاتجاه نحو التعاون خاصة وأن الموقف التركي يتعرض للكثير من الانتقادات الداخلية والإقليمية والدولية، وذلك من خلال توفير سبل وبناء آفاق  لتفعيل الشراكة والمباحثات بين الدول عبر منظمة الاتحاد من أجل المتوسط أو عبر التفاهمات الثنائية بين الدول من أجل خفض التصعيد، ويظل هذا الافتراض مشروط تحقيقه بالتوقف التركي عن انتهاج سياسات تصعيدية تؤثر على مسار العمل المشترك في هذه المنطقة، كما يستند هذا الافتراض على الإدراك المتبادل لدول شرق البحر الأبيض المتوسط لخطورة التصعيد فيما بينها على أمنها وأمن المنطقة التي تعد حيوية لدول العالم على صعيد التجارة ونقل الطاقة، ومن ثم فإن حجم الضغوط والتصعيد من الممكن أن يدفع هذه الدول إلى التفاوض مجددًا على ترسيم الحدود البحرية وتقاسم المصالح الاقتصادية في المناطق المشتركة.

المراجع:

1) تكتلات غاز المتوسط.. وسيط للسلام أم بؤرة للصراعات؟، على الرابط: https://0i.is/NlZR

2) إنفوجرافيك: خريطة حقول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، على الرابط: https://0i.is/FNFq

3) لماذا تصاعدت حدة صراعات الغاز في شرق المتوسط؟، على الرابط: https://0i.is/V5F8

4) Assessment of Undiscovered Oil and Gas Resources of the Levant Basin Province, Eastern Mediterranean, at: https://pubs.usgs.gov/fs/2010/3014/pdf/FS10-3014.pdf

5) النفط والغاز في شرق المتوسط.. صراع على الحصص والنفوذـ على الرابط: https://0i.is/YZ0s

6) غاز شرق المتوسط ومستقبل الصراع الإقليمي، على الرابط: https://0i.is/Qbuf

7) اللعبة الكبرى… غاز المتوسط إلى أين؟، على الرابط: https://0i.is/TLoR

8) انعكاسات التدخل .. تركيا وسيناريوهات التصعيد الليبي والإقليمي، على الرابط: http://www.acrseg.org/41463

9) مذكرتا التفاهم والتنافس الدولي على ليبيا، على الرابط: https://0i.is/HKTl

10) The East Med Geopolitics of Energy: Prospects for the Future, http://www.ecega.eu/blog/the-east-med-geopolitics-of-energy-prospects-for-the-future

 

تم التحقق بواسطة MonsterInsights