القائمة
خردة الصلب الأوروبية ومصر: من أزمة بيئية إلى معركة على أمن المواد الخام
بقلم: د. سارة كيرة
EUNACR – European North African Center for Research
هناك أخبار تبدو للوهلة الأولى تقنية ومحدودة التأثير، لكنها عند تفكيكها تكشف عن تحولات أكبر في الاقتصاد والسياسة الدولية.
الجدل الحالي حول خردة الصلب الأوروبية إلى مصر واحد من هذه الملفات.
تداولت بعض المنصات أن الاتحاد الأوروبي “حظر تصدير خردة المعادن إلى مصر”.
هذه الصياغة ليست دقيقة.
الحقيقة أن المفوضية الأوروبية نشرت في 18 سبتمبر 2026 مسودة لقائمة الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD التي يمكن أن تستمر في استقبال أنواع محددة من النفايات غير الخطرة من الاتحاد الأوروبي بعد دخول قواعد جديدة حيز التنفيذ.
وبالنسبة إلى مصر، خلص تقييم المفوضية إلى أن مصر تستوفي المتطلبات بالنسبة إلى عدد من أنواع النفايات، لكنها لم تثبت، وفق المعلومات المتاحة للمفوضية حتى الآن، أنها تطبق جميع التدابير اللازمة لضمان الإدارة السليمة بيئيًا لمخلفات المعادن. ولذلك استُبعدت مخلفات المعادن من النطاق المسموح به لمصر في المسودة الحالية.
والأهم: هذه ليست النتيجة النهائية.
وثيقة المفوضية نفسها تنص على أن المسودة لا تمثل الموقف النهائي للمؤسسة، وأن الإجراء ما زال في مرحلة المشاورات.
إذن الفرق بين الخبر والحقيقة مهم جدًا:
الخبر:
“الاتحاد الأوروبي حظر تصدير خردة المعادن إلى مصر.”
الحقيقة:
“المفوضية الأوروبية اقترحت في مسودة غير نهائية عدم السماح حاليًا بتصدير مخلفات المعادن إلى مصر، إلى أن تثبت مصر استيفاء المتطلبات البيئية والتنظيمية المطلوبة.”
وهذا ليس فرقًا لغويًا؛ بل فرق قانوني وتجاري واستراتيجي.
لماذا يجب أن تهتم مصر بهذا الملف؟
لأن الخردة ليست مجرد “نفايات”.
بالنسبة إلى صناعة الصلب التي تعتمد على أفران القوس الكهربائي EAF، تمثل الخردة مادة خام استراتيجية.
والأرقام تكشف حجم الاعتماد.
فبحسب بيانات Eurostat التي أوردها تحليل متخصص لسوق الخردة الأوروبية، استوردت مصر حوالي 2.12 مليون طن من خردة الصلب من الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 59.7% على أساس سنوي.
لذلك فإن المسألة لا تتعلق فقط بوزارة البيئة أو بإجراءات تصدير النفايات.
إنها تتقاطع مع:
الصناعة + التجارة + الطاقة + البيئة + أمن سلاسل الإمداد + القدرة التنافسية لصناعة الصلب.
وهنا يبدأ البعد الجيو-اقتصادي الحقيقي.
أوروبا لا تعيد تنظيم “النفايات” فقط
اللائحة الأوروبية الجديدة لشحنات النفايات Regulation (EU) 2024/1157 تفرض من حيث المبدأ قيودًا أكثر تشددًا على تصدير النفايات غير الخطرة إلى الدول غير الأعضاء في OECD.
ومن 21 مايو 2027، لن يكون تصدير هذه النفايات إلى الدول غير الأعضاء في OECD هو القاعدة، وإنما الاستثناء المشروط بإثبات قدرة الدولة المستقبلة على الإدارة السليمة بيئيًا.
وبالتالي نحن أمام تحول أكبر:
الاتحاد الأوروبي يريد إعادة تعريف العلاقة بين تجارة النفايات وتجارة المواد الخام الثانوية.
وهذا مهم للغاية بالنسبة إلى دول مثل مصر وتركيا والهند وباكستان وغيرها من الدول التي تعتمد صناعاتها المعدنية على تدفقات الخردة العالمية.
هنا يجب أن نتوقف عند تركيا
تركيا تقدم لمصر تجربة شديدة الأهمية.
فهي من أكبر مستوردي خردة الحديد والصلب في العالم، واستوردت نحو 20 مليون طن في 2024، وهو ما يمثل قرابة ثلثي استهلاكها من الخردة. كما أن نحو 40% من وارداتها جاء من الاتحاد الأوروبي.
لكن هناك فارق جوهري:
تركيا عضو في OECD.
وبالتالي فإنها لا تقع في نفس الفئة التنظيمية التي تقع فيها مصر بموجب هذه القاعدة الأوروبية.
والنتيجة الجيو-اقتصادية المحتملة واضحة:
إذا أصبحت صادرات الخردة الأوروبية إلى الدول غير الأعضاء في OECD أكثر تقييدًا، فقد تجد كميات أكبر من الخردة الأوروبية طريقها إلى الأسواق التي تستطيع استقبالها، ومن بينها تركيا أو السوق الأوروبية نفسها.
وهذا يعني أن مصر لا تواجه فقط سؤال:
“من أين سنحصل على الخردة؟”
بل تواجه أيضًا سؤالًا أكثر تعقيدًا:
“كيف ستتغير المنافسة العالمية على الخردة إذا تغيرت مسارات التجارة الأوروبية؟”
وماذا عن الصين؟
التجربة الصينية تقدم درسًا مختلفًا.
الصين لا تعتمد بنفس الدرجة على استيراد الخردة الحديدية، ويشير تحليل للمفوضية الأوروبية إلى أن الجزء الأكبر من استهلاكها يأتي من المصادر المحلية، مع تدفقات استيراد محدودة نسبيًا.
لكن الأهم أن الصين تتعامل مع الخردة والمواد المعاد تدويرها باعتبارها جزءًا من أمن الموارد وسلاسل الإمداد.
وفي 2025–2026 طورت الصين سياسات تستهدف رفع كفاءة جمع الخردة ومعالجتها وتصنيفها وتوزيعها، وإنشاء مراكز كبيرة لمعالجة وتوزيع خردة الصلب، وربط عمليات الجمع والتفكيك والمعالجة والتوزيع في منظومة متكاملة، مع الدفع نحو أنظمة تتبع على امتداد السلسلة.
هذه هي النقطة التي يجب أن تنتبه إليها مصر.
الدرس الصيني ليس أن مصر يجب أن تقلد الصين.
الدرس هو:
عندما تصبح مادة معينة حاسمة لصناعة استراتيجية، تتحول الدولة من مجرد مستهلك أو مستورد لها إلى بناء منظومة وطنية لتأمينها.
إذن ما الحل المصري؟
في رأيي، التعامل مع الموضوع باعتباره “حظرًا أوروبيًا” والاحتجاج عليه سياسيًا فقط سيكون استجابة ناقصة.
مصر لديها الآن مساران يجب العمل عليهما بالتوازي.
أولًا: المسار الأوروبي — كسب المعركة التنظيمية
المفوضية تقول بوضوح إن المشكلة الحالية تتعلق بقدرة مصر على إثبات وجود منظومة للإدارة السليمة بيئيًا لمخلفات المعادن.
إذن يجب أن يكون الرد المصري تقنيًا بالدرجة الأولى.
مصر تحتاج إلى إعداد ملف امتثال متكامل يتضمن:
▪️ قائمة المنشآت المرخصة لمعالجة الخردة.
▪️ الطاقة الاستيعابية لكل منشأة.
▪️ تراخيص التشغيل والمعالجة.
▪️ بيانات فعلية عن الانبعاثات إلى الهواء والمياه.
▪️ حدود الرصاص والزئبق والكادميوم وغيرها من الملوثات.
▪️ أنظمة معالجة الغازات والأتربة.
▪️ إدارة المخلفات الناتجة عن الصهر.
▪️ أنظمة التفتيش والرقابة.
▪️ آليات التتبع.
▪️ العقوبات على المنشآت غير الملتزمة.
▪️ بيانات قابلة للتحقق من طرف ثالث.
بمعنى آخر:
لا ينبغي لمصر أن تجادل المفوضية فقط في النتيجة؛ يجب أن تقدم لها الأدلة التي تجعل النتيجة قابلة لإعادة النظر.
ثانيًا: المسار الصناعي — تقليل الاعتماد على الخردة المستوردة
وهذا في رأيي هو الجزء الأهم.
حتى لو نجحت مصر في إقناع المفوضية الأوروبية بإعادة إدراج مخلفات المعادن، ستظل المشكلة الاستراتيجية قائمة:
لماذا تعتمد صناعة استراتيجية بهذا الحجم على مصدر خارجي واحد أو مجموعة محدودة من المصادر؟
الحل طويل الأجل هو بناء منظومة وطنية للخردة.
تبدأ من:
السيارات المستعملة
المعدات الصناعية
المباني والمنشآت التي يتم هدمها
السكك الحديدية
الموانئ
المصانع
المخلفات المعدنية الصناعية
ثم:
جمع → فرز → تفكيك → إزالة الملوثات → معالجة → تصنيف → اختبار جودة → تتبع → إعادة إدخال في الصناعة.
وهنا تتحول الخردة من “نفايات” إلى مادة خام ثانوية استراتيجية.
ثالثًا: الاستفادة من مفهوم End-of-Waste
هناك نقطة قانونية وتقنية تستحق اهتمامًا خاصًا.
ليست كل مادة كانت في مرحلة ما “نفاية” تظل بالضرورة كذلك إلى الأبد.
في النظام الأوروبي توجد آليات مرتبطة بمفهوم End-of-Waste، أي انتهاء صفة النفاية عندما تستوفي المادة شروطًا معينة وتصبح مادة يمكن استخدامها لأغراض محددة دون أن تعامل كـ”نفاية” بالمعنى نفسه.
وهذا يفتح أمام مصر مجالًا مهمًا:
بدل أن يكون النقاش فقط حول:
“هل تسمح أوروبا بتصدير النفايات إلى مصر؟”
يمكن أن يتحول جزء من النقاش إلى:
“ما المعايير التي تجعل الخردة المعالجة والمطابقة للمواصفات مادة خام ثانوية يمكن تداولها؟”
وهذا يحتاج إلى تعاون تقني مصري–أوروبي، وليس فقط تفاوض دبلوماسي.
رابعًا: تنويع مصادر الاستيراد
في المدى القصير، يجب ألا تنتظر مصر نتيجة الملف الأوروبي.
ينبغي دراسة وتنويع مصادر الخردة من أسواق مثل:
🇬🇧 المملكة المتحدة
🇺🇸 الولايات المتحدة
🇯🇵 اليابان
🇦🇺 أستراليا
وغيرها.
لكن يجب الحذر من افتراض أن الأمر بهذه السهولة.
لأن مصر ليست وحدها التي ستبحث عن مصادر بديلة.
إذا أعادت أوروبا توجيه تدفقات الخردة بعيدًا عن بعض الأسواق غير الأعضاء في OECD، فإن دولًا أخرى ستبحث أيضًا عن نفس البدائل، ما قد يزيد المنافسة على الخردة المتاحة عالميًا. وقد أشار محللون في السوق بالفعل إلى احتمال زيادة المنافسة من دول جنوب آسيا على مصادر مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة واليابان وأستراليا.
إذن:
التنويع ضروري، لكنه ليس بديلًا عن بناء قاعدة محلية.
خامسًا: بناء “أمن الخردة” كجزء من الأمن الصناعي
هذه هي النقطة التي أرى أنها تستحق نقاشًا أوسع في مصر.
كما نتحدث عن:
أمن الطاقة
أمن الغذاء
أمن المياه
أمن سلاسل الإمداد
يجب أن نبدأ في التفكير أيضًا في:
أمن المواد الخام الصناعية
لأن الاقتصاد الحديث لا يتنافس فقط على النفط والغاز.
إنه يتنافس على:
الصلب
النحاس
الألومنيوم
الليثيوم
النيكل
الخردة
والمواد الخام الثانوية.
والتحول العالمي نحو الاقتصاد منخفض الكربون سيزيد أهمية بعض هذه المواد بدلًا من أن يقللها.
الخلاصة
ما يحدث الآن ليس مجرد خلاف حول “خردة”.
إنه مثال واضح على الطريقة التي أصبحت بها المعايير البيئية أداة لإعادة تشكيل التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
الاتحاد الأوروبي يقول:
أثبتوا أن لديكم القدرة على الإدارة البيئية السليمة، وإلا فلن تستمر صادرات النفايات إليكم.
ومصر تستطيع أن ترد بطريقتين.
إما أن تدخل في معركة دفاعية لإلغاء القرار.
أو تستغل اللحظة لبناء منظومة أكثر قوة:
رقابة بيئية أقوى + صناعة تدوير منظمة + قاعدة بيانات للخردة + تتبع رقمي + معايير جودة + تنويع للمصادر + رفع معدل استرداد الخردة المحلية.
وهنا يمكن أن تتحول المشكلة من نقطة ضعف في سلسلة الإمداد المصرية إلى فرصة لإعادة بناء قطاع المواد الخام الثانوية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
“هل ستمنع أوروبا الخردة عن مصر؟”
السؤال الأهم هو:
هل ستظل صناعة الصلب المصرية مستهلكًا يعتمد على الخردة الخارجية، أم ستبدأ مصر في بناء منظومة وطنية لأمن المواد الخام الثانوية؟
المسودة الأوروبية أعطت مصر إنذارًا مبكرًا.
والميزة الآن أن القرار لم يصبح نهائيًا بعد.
وهذه هي اللحظة التي يجب أن تتحرك فيها مصر: بالتفاوض، بالبيانات، بالامتثال، وبسياسة صناعية طويلة الأجل.
د. سارة كيرة
Founder & Director
EUNACR – European North African Center for Research
المصادر: المفوضية الأوروبية وEUR-Lex، ووثائق المفوضية الأوروبية حول Regulation (EU) 2024/1157؛ وتحليلات سوق الخردة الأوروبية؛ ووثائق رسمية صينية حول تطوير منظومة المواد المعاد تدويرها.
We use cookies to improve your experience on our site. By using our site, you consent to cookies.
Manage your cookie preferences below:
Essential cookies enable basic functions and are necessary for the proper function of the website.
Statistics cookies collect information anonymously. This information helps us understand how visitors use our website.
Google Analytics is a powerful tool that tracks and analyzes website traffic for informed marketing decisions.
Service URL: policies.google.com (opens in a new window)
You can find more information in our Home and .
الإشعارات